الغزالي
127
إحياء علوم الدين
فالمحمود وسط بين العنف واللين ، كما في سائر الأخلاق : ولكن لما كانت الطباع إلى العنف والحدة أميل ، كانت الحاجة إلى ترغيبهم في جانب الرفق أكثر . فلذلك كثر ثناء الشرع على جانب الرفق دون العنف ، وإن كان العنف في محله حسنا ، كما أن الرفق في محله حسن . فإذا كان الواجب هو العنف ، فقد وافق الحق الهوى ، وهو ألذ من الزبد بالشهد ، وهكذا . وقال عمر بن عبد العزيز رحمه الله ، روي أن عمرو بن العاص ، كتب إلى معاوية يعاتبه في الثاني ، فكتب إليه معاوية أما بعد فإن التفهم في الخير زيادة رشد ، وإن الرشيد من رشد عن العجلة ، وإن الخائب من خاب عن الأناة ، وإن المتثبت مصيب ، أو كاد أن يكون مصيبا . وإن العجل مخطئ ، أو كاد أن يكون مخطئا . وأن من لا ينفعه الرفق يضره الخرق . ومن لا ينفعه التجارب لا يدرك المعالي . وعن أبي عون الأنصاري ، قال ما تكلم الناسي بكلمة صعبة ، إلا وإلى جانبها كلمة ألين منها تجرى مجراها . وقال أبو حمزة الكوفي . لا تتخذ من الخدم إلا ما لا بد منه ، فإن مع كل إنسان شيطانا واعلم أنهم لا يعطونك بالشدة شيئا ، إلا أعطوك باللين ما هو أفضل منه . وقال الحسن . المؤمن وقاف متأن ، وليس كحاطب ليل . فهذا ثناء أهل العلم على الرفق ، وذلك لأنه محمود ، ومفيد في أكثر الأحوال وأغلب الأمور . والحاجة إلى العنف قد تقع ، ولكن على الندور . وإنما الكامل من يميز مواقع الرفق عن مواقع العنف ، فيعطى كل أمر حقه ، فإن كان قاصر البصيرة ، أو أشكل عليه حكم واقعة من الوقائع ، فليكن ميله إلى الرفق ، فإن النجح معه في الأكثر القول في ذم الحسد وفي حقيقته وأسبابه ومعالجته وغاية الواجب في إزالته بيان ذم الحسد اعلم أن الحسد أيضا من نتائج الحقد ، والحقد من نتائج الغضب ، فهو فرع فرعه ، والغضب أصل أصله . ثم إن للحسد من الفروع الذميمة ما لا يكاد يحصى . وقد ورد في ذم الحسد خاصة أخبار كثيرة